ما زالت الحملة العسكرية الإسرائيلية على سوريا، تقع في خانة استعراض القوة وفرض الهيبة وتحقيق الردع، بخلاف الحرب على قطاع غزة، التي استؤنفت بشراسة استثنائية الشهر الماضي وسجلت أرقاماً قياسية في عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين والتدمير الشامل لسكنهم وأرضهم، وبعكس الهجمات على لبنان الهادفة الى إقامة منطقة أمنية مجردة من السلاح تتدرج من الحدود الجنوبية نحو خط افتراضي يبلغ نهر الاولي، وربما لاحقاً نهر الدامور المتاخم لبيروت الكبرى..من دون أن يمسّ بالسلطة المركزية اللبنانية التي ليست إنتقالية أو مؤقتة، مثل السلطة القائمة في دمشق، التي لا تعرف حتى الآن لماذا تتعرض لهذا الحجم من الاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة.
تجاوزت الاعتداءات الإسرائيلية الحد الاستباقي أو الوقائي المزعوم، الذي يقوم على نظرية روّج لها المسؤولون الإسرائيليون منذ اليوم الأول لتحلل النظام الاسدي، وهي أن حكام دمشق الجدد أعداء بالفطرة والتكوين، وخطر وجودي كامن على دولة إسرائيل، من دون الإفصاح عما اذا كانت إسرائيل ستتولى تهديد حكمهم، الذي يحظى باعتراف عربي ودولي علني، ومشروط بالتخلي عن جدول أعمالهم الإسلامي المتشدد، والاعتراف بحقوق الأقليات السورية ودمجها في الدولة السورية المنشودة..في مهلة زمنية محددة بخمس سنوات كحد اقصى، جرى التفاهم عليها بين السلطة السورية الحالية وبين المجتمع الدولي.
وعل ى الرغم من أن حكام دمشق أكدوا في أكثر من مناسبة أنهم غير معنيين بالمواجهة مع إسرائيل، التي كانت مبررة في ظل النفوذ الإيراني على دمشق، بل بالتعايش السلمي الذي يسمح لهم بإعادة بناء الدولة السورية، فإن الإسرائيليين ردوا بحملة عسكرية جوية وبرية لم يسبق لها مثيل منذ حرب تشرين العام 1973، وإقتطعوا مساحات شاسعة من الأراضي السورية وأعلنوها منطقة أمنية مغلقة تصل الى مسافة كيلومترات من العاصمة دمشق، وكثفوا غاراتهم الجوية على مختلف القواعد العسكرية السورية الخاوية، التي كان ولا يزال يفترض ان تشكل أساساً لبناء الجيش السوري الجديد.. بعدما عاشت سوريا طوال ستة عقود من الحكم الاسدي من دون جيش محترف.
في أي جدال حول تلك الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة يوماً بعد يوم، ثمة تسليمٌ بأنه ليس من أهداف إسرائيل اسقاط النظام الجديد في دمشق، المعترف به دوليا، والذي لو شاء الإسرائيليون الإطاحة به لما لجأوا الى ذلك الخيار العسكري تحديداً، بل الى خيارات عسكرية وأمنية أخرى. أما اذا كان هدفهم التأثير على قرارات هذا النظام وبرامجه، فإن ذلك الخيار العسكري هو الطريق الأقصر والأقل جدوى من وجهة نظر سياسية بحتة. وكذا الامر بالنسبة الى رغبة اسرائيل “المفترضة” في ان يكون لها دور في إعادة بناء الجيش السوري وتحديد عقيدته العسكرية ووظيفته ومواقع انتشاره.. وهي في الأصل عملية لا تقع على رأس قائمة اهتمامات حكام دمشق، التي تستبعد الامن الحدودي لمصلحة الامن الداخلي الذي يضمن استقرار المرحلة الانتقالية للسنوات الخمس المقبلة.
أما الافتراض بان إسرائيل تشن هذه الحملة العسكرية الواسعة النطاق على سوريا من أجل حماية إقل من مئتي ألف درزي على حدودها، لا يحتاج معظمهم الى تلك الحماية ولم يطلبوها، فهو تقليل من شأن الجيش الإسرائيلي واستخداماته السياسية.. التي يمكن ان تجيز مثلا الاشتباه في ان إسرائيل تتطلع الى توفير شبكة أمان لعلويي سوريا البالغ عددهم نحو ثلاثة ملايين علوي مهددين اليوم بأرواحهم وحقوقهم واقامتهم على الساحل السوري..مع أن هذه هي مهمة تركيا المركزية المتصلة بأمنها الداخلي، وموقعها الإقليمي، الذي لا يبرر الحديث عن تنافس او صراع إسرائيلي تركي على سوريا، طالما ان قنوات الاتصال مفتوحة بين البلدين، وهي تعمل تحت مظلة أميركية مشتركة، لا تحتاج الى التسابق على اقامة قواعد برية إسرائيلية في جنوب سوريا، أو بناء قواعد جوية تركية في وسط سوريا. التفاهم كان ولا يزال ممكنا بين البلدين، وسوريا في الأصل ليست بلداً مغرياً للنفوذ ولا حتى للاستعراضات العسكرية أو السياسية.
الثابت الوحيد الآن هو أن الجيش الإسرائيلي يعمل هذه الأيام بأقصى طاقته، يمارس ساديته المطلقة، ويرسم بسيول الدماء وتلال الدمار صورة الجيش الأكثر همجية ووحشية في تاريخ الشرق على مر العصور.