
تتجه الأزمة اللبنانية الناشئة حول تفاهمات واشنطن لوقف إطلاق النار إلى رسم خط انقسام سياسي غير مسبوق، عنوانه هذه المرة مواجهة مفتوحة بين «ثنائي السلطة» المتمثل برئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وبين «الثنائي الشيعي» المتمثل بـ«حزب الله» وحركة «أمل»، في ظل حضور إيراني مباشر لم يعد يقتصر على الدعم السياسي، بل بات يتجلى في تحديد سقوف المواقف المرتبطة بالحرب والتهدئة. فخلال أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، تكشفت ملامح مشهد سياسي جديد. ففي الوقت الذي راهن فيه عون وسلام على مخرجات مفاوضات واشنطن باعتبارها فرصة للوصول إلى وقف شامل للحرب وإطلاق مسار يعيد تثبيت سلطة الدولة في الجنوب، جاء الرفض أولاً من قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني، قبل أن يتبناه الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، ثم يلتحق به رئيس مجلس النواب نبيه بري والقيادة الروحية للطائفة الشيعية ممثلة بنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب. ولم يكتفِ رئيس الجمهورية بالدفاع عن المسار التفاوضي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في مقابلة مع شبكة CNN، عندما اتهم إيران باستخدام لبنان «ورقة مساومة» في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، موجهاً رسالة مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني قال فيها: «هذا ليس بلدكم، بل بلدنا». كما اعتبر أن لبنان يدفع ثمن حسابات لا علاقة له بها، وأن سيادته لا يمكن أن تبقى رهينة صراعات الآخرين. أما رئيس الحكومة نواف سلام فشن بدوره هجوماً غير مسبوق على طهران، معتبراً أن الحرس الثوري الإيراني كان أول الرافضين لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عبر الوساطة الأميركية. وقال إن الجنوب اللبناني يُستخدم ورقة لتحسين شروط التفاوض الإيرانية، داعياً إيران إلى «أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل معه وأهله كمجرد ورقة تفاوض». في المقابل، بدا موقف «الثنائي الشيعي» متماسكاً بالكامل. فنعيم قاسم رفض التفاهمات باعتبارها «استسلاماً»، فيما رأى بري أن معظم بنودها «جائرة» ولا تستحق البحث، بينما اعتبر الشيخ علي الخطيب أن ما خرجت به مفاوضات واشنطن يفتح الباب أمام فتنة داخلية ويمنح إسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بالحرب. ولا تبدو أهمية هذا الانقسام في تفاصيل التفاوض فحسب، بل في كونه يكشف للمرة الأولى بهذا الوضوح عن صراع بين مشروعين: مشروع تقوده الرئاسات اللبنانية يسعى إلى استثمار الرغبة الأميركية في إنهاء الحرب لإعادة تثبيت سلطة الدولة وحصرية قرار السلم والحرب، ومشروع آخر يرى أن مستقبل الجنوب والحرب لا يمكن فصلهما عن الصراع الإقليمي الأوسع الذي تقوده إيران. وبذلك، لم تعد المواجهة السياسية محصورة بين لبنان وإسرائيل أو بين الدولة و«حزب الله»، بل أصبحت مواجهة داخلية بين «ثنائي السلطة» الذي يحاول انتزاع قرار الحرب والسلم إلى مؤسسات الدولة، و«الثنائي الشيعي» الذي يرفض أي تسوية يراها منفصلة عن الحسابات الإيرانية في المنطقة.
