
تُعد عبارة "بدنا ناكل... جوعانين" من أشهر الشعارات المطلبية التي عرفها لبنان، وقد ارتبطت في الذاكرة الوطنية بالاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد مطلع خمسينيات القرن الماضي رفضاً لتردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات الفقر، قبل أن يكرّسها الصحافي الراحل غسان تويني في مقال شهير نشره في جريدة "النهار" عام 1951 تحت العنوان نفسه. وبعد أكثر من سبعة عقود على إطلاق تلك الصرخة، تبدو العبارة وكأنها تعود إلى الواجهة مجدداً في لبنان، في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية تتفاقم يوماً بعد يوم، مع استمرار الغلاء وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى غالبية اللبنانيين. ويجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع ضاغط تغذيه مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها التضخم المتواصل، وتداعيات الحرب الأخيرة، وغياب الاستثمارات القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد، فضلاً عن تباطؤ تنفيذ التعهدات والإصلاحات التي رُبطت بها المساعدات الخارجية وخطط التعافي. وفي وقت تتراجع فيه فرص النهوض الاقتصادي، تتسع دائرة الفقر ويزداد الضغط على الأسر اللبنانية التي تواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وسط مخاوف من انتقال الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة إذا استمرت المؤشرات الحالية على حالها. وفي المقابل، لا تزال الساحة السياسية تدور في حلقة من التجاذبات والسجالات. فبين جلسات نيابية صاخبة، وقرارات حكومية توصف بأنها اعتيادية قياساً بحجم الانهيار، وتعهدات دولية لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وجولات متكررة للصناديق والجهات الداعمة من دون نتائج ملموسة، يستمر الغضب بالتنقل بين المناطق والشوارع فيما تتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. وبين صرخة الأمس وواقع اليوم، تبدو عبارة "بدنا ناكل... جوعانين" أكثر حضوراً من أي وقت مضى، في بلد لا يزال يبحث عن مخرج من أزماته المتراكمة وعن الحد الأدنى من الاستقرار الذي يوقف مسار التدهور المتواصل على مختلف المستويات.
