
دخلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة جديدة وأكثر حساسية بعدما انتقلت من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى التهديد المباشر بعصب الاقتصاد الإيراني ومصدر قوته الرئيسي: النفط. فبعد ليالٍ من الضربات المتبادلة والتصعيد العسكري المتدحرج، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف المواجهة معلناً أن الولايات المتحدة ستضرب إيران “بقوة شديدة الليلة”، ملوحاً بالسيطرة على جزيرة خرج، الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، وعلى منشآت نفطية أخرى في البلاد. تصريحات ترامب لا تبدو مجرد تهديد عسكري جديد، بل تعكس انتقال واشنطن إلى مرحلة يمكن وصفها بـ”حرب الإخضاع”، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على ردع إيران أو معاقبتها، بل ممارسة ضغوط متزايدة لدفعها إلى القبول بشروط أميركية على طاولة التفاوض. وفي منشور على منصة “تروث سوشال”، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى، في وقت ليس ببعيد، السيطرة على جزيرة خرج وغيرها من منشآت البنية التحتية النفطية الإيرانية، متحدثاً عن فرض سيطرة كاملة على أسواق النفط والغاز الإيرانية، في خطوة غير مسبوقة من حيث طبيعة الأهداف المعلنة وحجم التهديدات الموجهة إلى الجمهورية الإسلامية. ويأتي هذا التصعيد في وقت تتراجع فيه فرص الحلول الدبلوماسية بصورة متسارعة. فبحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”، تضاءلت فرص تحقيق أي اختراق سياسي بعد مغادرة وفد الوساطة القطري طهران من دون إحراز تقدم في المحادثات. ويُنظر إلى تعثر الوساطة على أنه مؤشر واضح إلى انتقال الأزمة من مرحلة التفاوض غير المباشر إلى مرحلة اختبار الإرادات في الميدان. ومنذ منتصف الليل، شهدت المنطقة سلسلة متلاحقة من الضربات والردود العسكرية. فقد واصلت القوات الأميركية استهداف مواقع عسكرية ومنظومات دفاع جوي واتصالات داخل إيران، فيما ردت طهران بتهديد المصالح الأميركية في المنطقة وتصعيد خطابها حول مضيق هرمز والقواعد الأميركية المنتشرة في الخليج. لكن المؤشر الأهم في هذه الجولة لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً أيضاً. فترامب كشف في الأيام الماضية أنه أبلغ الإيرانيين بأن الضربات يمكن أن تتوقف إذا وافقت طهران على المقترحات الأميركية، ما يعزز الانطباع بأن العمليات العسكرية تُستخدم كأداة ضغط لانتزاع تنازلات سياسية، أكثر مما تمثل مقدمة لحرب شاملة هدفها إسقاط النظام الإيراني. وفي المقابل، تحاول إيران إظهار أنها لا تزال قادرة على الصمود ورفع كلفة المواجهة. فطهران نفت رواية ترامب عن تواصل مسؤولين إيرانيين معه لطلب وقف الضربات، معتبرة أن الرئيس الأميركي يسعى إلى تصوير الجمهورية الإسلامية على أنها تبحث عن مخرج تحت الضغط العسكري، فيما تؤكد هي أنها لن تتفاوض تحت النار.
