
لم تنتهِ زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية بانتهاء جولته فيها. فقد تركت وراءها مشهداً سياسياً واجتماعياً لافتاً، كشف تباينات داخل بيئة لطالما قُدّمت باعتبارها إحدى أكثر البيئات التصاقاً بـ«حزب الله»، وطرح أسئلة تتجاوز الزيارة نفسها إلى علاقة الحزب ببيئته وموقع الدولة فيها. فالزيارة التي جاءت تحت عنوان متابعة أوضاع النبطية ومشاريع إعادة الإعمار والخدمات، اصطدمت باعتراض في الشارع، تمثل بمحاولة أحد الشبان الاقتراب من سلام والاعتداء عليه وتوجيه الشتائم إليه، قبل أن تتدخل القوى الأمنية وتبعده. لكن المشهد لم يتخذ طابعاً جماعياً، إذ رفض عدد من الموجودين هذا السلوك، في إشارة إلى أن الاعتراض على رئيس الحكومة لم يكن موقفاً موحداً داخل المدينة. في المقابل، جاءت الرسالة الأكثر وضوحاً من بلدية النبطية. فقد دافع رئيس البلدية عباس فخر الدين عن استقبال سلام، مؤكداً أن البلدية تتحرك بصفتها مؤسسة رسمية، وأن ما قامت به يدخل في صميم دورها كجزء لا يتجزأ من الدولة اللبنانية. وفي دفاعه عن خطوات البلدية، شدد فخر الدين على الفصل بين العمل البلدي والانتماء السياسي، مستخدماً عبارة لافتة مفادها أن رئيس البلدية عندما يدخل إلى البلدية يخلع «الرداء الحزبي» ويمارس مسؤولياته تحت سقف القانون. ولم يكن موقفه مجرد تبرير لاستقبال بروتوكولي، بل دفاعاً عن حق البلدية في التواصل مع رئيس الحكومة واستقباله، وعن التعامل مع الدولة باعتبارها المرجعية التي تنتمي إليها المؤسسة المحلية. كما حرص فخر الدين على التركيز على الجانب العملي للزيارة، وعلى ما يمكن أن تحمله من مشاريع للنبطية وأهلها، ولا سيما في مجال إعادة الإعمار والخدمات، في محاولة لوضع العلاقة مع الحكومة في إطار مصالح المدينة لا في إطار الاصطفاف السياسي. ولم يقتصر المشهد على البلدية، فقد كان إمام مدينة النبطية الشيخ عبد الحسين صادق حاضراً في صورة الزيارة، وفي تواصل مع رئيس الحكومة حول أوضاع المدينة، ما أضفى على الاستقبال بعداً محلياً ودينياً يتجاوز الإطار الرسمي الضيق. وهنا ظهرت المفارقة بوضوح: في مدينة تُعد أحد أبرز معاقل «حزب الله»، لم يكن الموقف من رئيس الحكومة واحداً. فهناك اعتراض في الشارع، يقابله موقف بلدي يدافع عن استقبال رئيس الحكومة، وحضور ديني ومحلي يتعامل مع الزيارة باعتبارها مناسبة لمتابعة شؤون المدينة. وهذه النقطة تحديداً تحمل كلفة سياسية على الحزب: كلما اتسعت المسافة بين بعض مكونات بيئته وبين خياراته، أصبح من الأصعب تقديم هذه البيئة باعتبارها كتلة متجانسة خلف مشروعه السياسي وخياراته. ومن هنا، يمكن قراءة تداعيات زيارة سلام بوصفها مؤشراً إلى تحولات أعمق: فالمواجهة حول موقع الدولة لم تعد محصورة بين الحكومة و«حزب الله» أو بين الحزب وخصومه السياسيين، بل بدأت تظهر داخل البيئة التي طالما استعان بها الحزب لتأكيد مشروعيته.
