لم يكن البطريرك إلياس الحويّك رجل دينٍ فقط، بل كان أحد أبرز صُنّاع الكيان اللبناني الحديث، إلى درجة أنّ اسمه ارتبط بولادة “لبنان الكبير”، كما ارتبط اسم الجنرال غورو بإعلان الدولة من قصر الصنوبر عام 1920. وقد عاد اسم الحويّك إلى الواجهة مجددًا بعد توقيع البابا ليون الرابع عشر مرسوم إعلانه طوباويًا، في خطوة أعادت تسليط الضوء على دوره التاريخي والديني والسياسي في تأسيس لبنان الحديث. وُلد الحويّك عام 1843 في حلتا – البترون، في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تمسك بالمشرق بقبضة ثقيلة، فيما كان الموارنة يعيشون هاجس البقاء السياسي والثقافي والديني. ومنذ شبابه، بدا أنّه يتجاوز الدور الكنسي التقليدي، إذ جمع بين الثقافة اللاهوتية والمهارة السياسية، قبل أن يُنتخب بطريركًا للموارنة عام 1898. لكن البطريرك الحويّك لم يتعامل مع البطريركية كموقع روحي فحسب، بل كمنبر للدفاع عن فكرة لبنان. ففي زمن المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، واجه السلطات العثمانية، وسعى إلى حماية الأهالي، بينما كانت جبل لبنان تختنق بالجوع والحصار. ومن تلك اللحظة تحديدًا، بدأت تتبلور لديه قناعة بأنّ بقاء المسيحيين، وخصوصًا الموارنة، يحتاج إلى كيان سياسي مستقل، لا مجرد امتيازات داخل السلطنة. كان الحويّك يدرك أنّ نهاية الحرب العالمية الأولى ستعيد رسم خرائط الشرق الأوسط. لذلك، تحرك مبكرًا على خط باريس والفاتيكان والقوى الغربية، مستفيدًا من علاقات الكنيسة المارونية التاريخية مع فرنسا. وفي مؤتمر فرساي عام 1919، قاد الوفد اللبناني مطالبًا بقيام “لبنان الكبير”، لا “لبنان المتصرفية” فقط. أراد دولة تمتد من الساحل إلى البقاع، تضم بيروت وطرابلس وصيدا وصور، لأنّه كان مقتنعًا بأنّ الكيان الصغير غير قابل للحياة اقتصاديًا وسياسيًا. لم يكن مشروعه مجرد مشروع طائفي كما حاول خصومه تصويره لاحقًا، بل كان مشروع كيان. صحيح أنّ هواجسه المسيحية كانت حاضرة بقوة، لكنّه كان يرى أنّ حماية المسيحيين تمرّ عبر دولة قابلة للحياة، لا عبر عزلة جبلية. ولهذا السبب، قبل بإدخال مناطق ذات غالبية مسلمة إلى الكيان الجديد، رغم إدراكه المسبق لما سيخلقه ذلك من تعقيدات سياسية وديموغرافية. سياسيًا، كان الحويّك براغماتيًا إلى حد بعيد. تحالف مع فرنسا، لكنّه لم يكن رجل فرنسا بالكامل. استخدم الانتداب لتحقيق مشروع الدولة، من دون أن يتحول إلى تابع أعمى له. وكان يعرف أنّ ولادة لبنان تحتاج إلى قوة دولية تحميها في تلك اللحظة التاريخية. أما خصومه، فاتهموه بأنّه فصل لبنان عن محيطه السوري الطبيعي، وبأنّه وضع الأساس لصراع الهويات الذي سيطبع تاريخ البلاد لاحقًا. لكنّ أنصاره يرون فيه “أب لبنان الكبير”، والرجل الذي نقل الموارنة من موقع الجماعة القلقة إلى موقع الشريك المؤسس للدولة. في شخصية إلياس الحويّك، امتزج الكاهن بالسياسي، والبطريرك برجل الدولة. لم يكن خطيبًا شعبويًا، بل رجل توازنات ومفاوضات ورؤية طويلة الأمد. وربما تكمن أهميته التاريخية في أنّه فهم مبكرًا أنّ الخرائط لا يصنعها الحنين، بل موازين القوى والقدرة على اقتناص اللحظة الدولية المناسبة.
