
ارتفاع نسبة المصابين بمرض السرطان في لبنان يبقى الحدث الصحي الأخطر في بلد تتراجع فيه القدرة على التصدي لهذا المرض إلى حدود مقلقة. فالأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة تكشف عن واقع ثقيل، إذ بلغ معدل الإصابة 224 حالة لكل مئة ألف نسمة، في مؤشر يعكس اتساع رقعة المرض في مجتمع يرزح تحت أزمات اقتصادية وبيئية وصحية متداخلة. وقد وصف وزير الصحة ركان ناصر الدين هذا الواقع بأنه «مأساوي»، معتبرًا أن الأرقام «مذهلة ومقلقة»! وتُظهر البيانات أن سرطان الثدي يتصدر الإصابات لدى النساء، فيما يحتل سرطان البروستات المرتبة الأولى لدى الرجال، ما يعكس اتجاهًا وبائيًا ثابتًا لكنه أكثر خطورة في الحالة اللبنانية بسبب التأخر المزمن في التوعية الصحية والكشف المبكر.غير أن الأسباب المباشرة لتفاقم هذا الواقع لا تقتصر على ضعف النظام الصحي، بل تتعداه إلى عوامل بيئية ومعيشية ضاغطة، في مقدّمها ارتفاع مؤشرات التلوث إلى مستويات قياسية. عوادم السيارات، مولدات إنتاج الكهرباء المنتشرة بلا ضوابط، والتعرّض المزمن لدخان التدخين الكثيف في الأماكن المغلقة، تشكّل مجتمعة بيئة خطرة تساهم في رفع معدلات الإصابة، في ظل غياب سياسات بيئية صارمة ورقابة فعّالة. وفي موازاة ذلك، شهد ملف أدوية السرطان تطورًا لافتًا خلال عام 2025، مع توسيع البروتوكولات العلاجية المعتمدة. فقد ارتفع عدد علب الأدوية الموزّعة من نحو 65 ألف علبة في عام 2024 إلى ما يقارب 200 ألف علبة في عام 2025. إلا أن هذا التحسن في التغطية العلاجية ترافق مع قفزة حادة في الكلفة، إذ ارتفعت من 32 مليون دولار إلى 103 ملايين دولار خلال عام واحد، وهو ما اعتبرته وزارة الصحة مؤشرًا خطيرًا على ازدياد عدد الإصابات، لا مجرد تحسّن في آليات التوزيع. في الخلاصة، لم يعد السرطان في لبنان مجرد ملف صحي تقني، بل تحوّل إلى أزمة وطنية شاملة تتقاطع فيها الانهيارات الاقتصادية والبيئية والصحية. وبين أرقام تتصاعد وقدرات وقائية شبه غائبة، يبقى التحذير الرسمي واضحًا: من دون استثمار جدي في الوقاية والكشف المبكر ومعالجة أسباب التلوث، سيبقى لبنان يواجه المرض متأخرًا، وبكلفة إنسانية ومالية تتجاوز قدرته على الاحتمال.
